تجليات الحب في تجربة  الشاعرة أحلام الحسن

د.أيمن تعيلب: تجليات الحب في تجربة أحلام الحسن 


للحب عطاياه،كما للحب خطاياه.هكذا يعلمنا الشعر في هذا الديوان للشاعرة البحرينية الدكتورة أحلام الحسن،فالحب لديها يتخطى مجاله الإنساني الذاتي المحدود ليكون مجلى كونيا

عظيما متراحبا تسبح فيه كائنات الكون وأشياؤه وموجوداته،تسبح في الصور والاستعارات والمجازات الإنسانية الحميمة،يحى الحب موات الأشياء كما تحي الماء موات الأرض. لقد جعل الشعراء من الشعر كل شيء حي.فالحب في هذا الديوان قادر على التحريك والإذابة،إذابة كل الفواصل والعوائق ودمج الروح بكائنات العالم،وهنا تبدو القيمة الجمالية والوجودية الكبرى لمعنى الحب والتي تكمن في قهر وحدتنا ووحشتنا وعزلتنا ومحدودية وعينا،إنه يطلق فينا كل أشواقنا النائمة،ويوقظ رغباتنا المنفصلة،فيذيب كل سدود الانفصال ليفتح الكيان الإنساني كله مثل وردة أرضية كونية تتماوج بالعبق والنشاط والنشوة والطلاقة،حتى ليبدو الوجود والناس والدنيا قد اتسعوا عن حدودهم المعهودة حيث تتواصل الممنوعات،وتتلاقى الموحشات،وترتقي المخلوقات إلى وجودها الحق الأصيل،الحب والشعر لدى الدكتورة أحلام الحسن هما الموازي الجمالي والوجودي للحياة فكما استطاع الحب أن يذيب الحدود والسدود ليطلق وجودنا بأجمعه، استطاعت الصورة الشعرية الجميلة لدى الشاعرة أن تذيب ما هو صلب مغلق بطبيعته على ذاته،حتى لنرى الروح تذوب في الجسد،والجسد يذوب في الروح،بعد أن مسهما لهيب الحب المقدس،ويتجلى هذا الوصال بين الموجودات والأشياء والأحياء في ذروة الحب والشعر والصور،وانظر معي كيف تبنى الشاعرة هذا الهرم الجمال للحب بداية من الحب الذاتي:
أجيبيني

أيا حبًّا بأوداجي
جرحتِ القلبَ داويني

و كفّي ذاكَ ملهمتي
فهذا الشّوقُ يُضنيني

فأنياطي قددتِ لها
ولم تبقي لتشفيني

فهل هذا جزاءٌ لي.’
على حبّي فتؤذيني

ألا تكفي مراراتي
فكم أدمت دوَاويني

فأينَ الحبَّ ملهمتي.’
فكم وصلٍ تمنّيني

فقولي لي ولا تخفي
فأيّامي تعاديني

رسمتِ الحبَّ أقداحًا
تهاجمُ لي دكاكيني

فهل سُكرًا سقيتِ لهُ
ومن سحرٍ يُناجيني

فذا قلبي يؤرّقني
وذا شوقي يباغيني

فعن قصدٍ هداياهُ
لقد هامت شراييني

فجودي الوصلَ قاتلتي
وهاتي الحبَّ يطوِيني

و ضمّي كلّ أنفاسي
وقومي لي وواسيني

ولُمّي كلّ أجنحتي
فما عادت لتأوِيني

الحب هنا يحتضن الروح ويرأب صدوعها المفتوقة،ويؤنس وحشتها الطاغية اللاهثة،الأنياط المقدودة،والجراح الممزقة،والقلوب الهائمة تعيدها نشوة الحب سيرتها الأولى منتشية محلقة رفافة حيث ينبت الحب أجنحة جديدة للكائن فيجعله أكثر خفة وطلاقة فيطلقه من قيوده وحدوده ليكون أكثر حرية وإنسانية .هكذا يفعل الحب والشعر والجمال فى هذا الديوان.ولعل الشاعرة تصور هذا في قصيدة (لايعنينى):

لا يُعنني

خليلٌ بليلٍ صداهُ دهاني
وما من خليلٍ كفاهُ الصّدى

وأبقى كأنّي غريقُ المنايا
ودونَ السّفينِ أتيهُ الهدى

بعمرٍ ضئيلٍ فلا أجتني
زهورَ الرّبيعِ وقطرَ النّدى

فقل ما تشاءُ فؤادي ضعيفٌ
تهاوت قواهُ بذاكَ الرّدى

دفينًا تراهُ وحيًّا وميتًا.’
ويبقى صريعًا لحلمٍ سدى

في غيبة الحب نحن أموات على قيد الحياة،نعانى صراعات وحشتنا القاسية الممرورة،تغولناالوحدة،ويتهددنا الغرق،ولا ترسو سفائن حياتنا أبدا على شاطئ أمين.لكن الشعر البديع يخلق الحب خلقا في صورة الصدى الهائم الباحث عن صوته التائه الشارد،الحب يلحم الصوت بالصدى فيستعيد القلب الذي صوحت أوراقه جنته النضرة الأولى حيث يجتنى زهر ربيع الجسد،ويحتسى قطر ندى الروح.لكن الروح لا تبلغ مداها في الدنيا عالم القيود والحدود والسدود،فتظل تكدح فيما وراء العالم حالمة بهذا الصدى الحالم البعيد،صدى الحب،حيث الشعر يخلق الحب بقدر ما يخلق الحب الشعر.
الحب في هذا الديون طوفان حي متجدد على الدوام،وإن تمعنا فى جماليات العنوان لنرصد آفاق هذا الطوفان الخلاق حيث يطلقنا الشعر على أجنحة الصور استحضرنا على الفور هذه المناوئة الخفية اللامنظورة بين طوفان الحب وما يناوئ هذا الطوفان من عوائق غلاظ شداد تسود عالمنا المعاصر على كافة المستويات.ولعل قصيدة ( أنين الأمومة) تجسد هذا الأنين المكتوم للروح الإنسانية المعذبة بالحب وضده معا،فليس مثل الأمومة خالقا للحب والشعر والرقة والحنان،ولعل الشاعرة قد أحسنت إذ صورت عالم الأمومة المكظوظ بالحب والشوق وسط عالم مكظوظ بالقطيعة والنكران.ومن هنا يخلق الشعر توتراته العميقة بين عطاء الحب وعوائق العقوق, وانظر معي قارئي الكريم كيف جسدت الشاعرة هذا الصراع الأليم الجميل فى قصيدة (أنين الأمومة)، فلا شيء يجعلنا عظماء غير الألم العظيم.

وحملتُهُ وهنًا على وهنٍ وفي
دقّاتِ قلبي رُكنُهُ المتعالي
ربّيتُهُ من بعدِ حَملٍ مضْنكٍ
لَبَنًا لكم أسقيتُهُ بدلالـــــــــي
كم من ليالٍ من سهادٍ لم أنم
أ مًّا يبيعُ فلن يرى أمثالي
غَذّيتُهُ من نبع شرياني دمًا
عجبًا لهُ كم يبتغي لزوالي.’
كانت يداي لجسمِهِ أرجوحةً
وعلى شفاهي بسمةُ الآمالِ
مَلِكًا لقلبي كان فيهِ بأمرِهِ
والنّهدُ مرتعُ قَصرهِ المتعالى
قُبلُ الشّفاهِ طبعتُها بجبينِهِ
بأمومتي كانت جميعُ خِصالي
تجري الدّموع لدمعِهِ حينَ البكا
فإذا اشتكى وهِنت لهُ أحوالي
ضحكاتُهُ حركاتُهُ أنفاسُهُ
أبني عليها منتهى آمالي
لا ما شككْتُ بأنّني موهومةٌ
خابتْ ظنوني مِثلها آمالي
فإذا صبا بشبابهِ سار الخطى
يسعى عقوقَ الجاهلِ المتعالي

أرأيت القارئ الكريم كيف صورت الشاعرة طوفان الأمومة الباذخ؟! تأمل معي هذه الصورة الدقيقة النافذة حيث حملت الأم وليدها في دقات قلبها لا في بطنهاـ،كان القلب هو الركن المتعالي حيث يجلس وليدها فوق عرشه المتوج.ثم انظر معي كيف سقت الأم وليدها لبنها الحنون مخلوطا بدلالها.ولعل هذه الصورة الرائعة تذكرنا بأبيات جميلة للشاعر القروي يصف لبن أمه مخلوطا بحنانها فيقول:
عدوى ليس هذا الشهد شهدي ولا المن الذي استحليت مـــــنى
فــــــــــلي أم حنون أرضعتني لبان الحب مـــــــــن صدر أحن
على بسماتهـــــــا فتحت عيني ومن رشفاتها رويت ســــــــــني
كـــــــــما كانت تناغيني أناغى وما كانت تغنيني أغـــــــــــــني
كفانــــــــي حبها فوق احتياجي                     ففاض على الورى ما فاض عنى

الأمومة فيض لا ينتهي،وعطاء غير ممنون،فهي الرحم التي تعلقت بحبال الرحمن عند العرش،حيث ينادى الله جل وعلا: وعزتي وجلالي من وصلتك وصلته ومن قطعك قطعته،فإذا كان الشاعر الألماني العظيم جوته يقول: كل ما هو أنثوي يرفعنا إلى أعلى،فأنا أقول:الأمومة فيها ظل من أنفاس الرحمن الذي اشتق لها اسما من اسمه فهو الرحمن الرحيم وهى الرحم الحنون.عطاؤها لا ينفد وشوقها لا ينتهي،وهنا يتجلى الشعر أحلى ما يكون وأسمى ما يكون،وانظر معي القارئ الكريم إلى سلسال عناقيد الصور وكيف سقانا عذبا شعريا سائغا للشاربين:حيث القبل المطبوعة بروح الأمومة،وأراجيح جسد الأمومة التي تهدهد خيال الروح، وقصر الطفولة المتعالي فوق رفرف النهد.انظر كيف انبنت قصور الأمومة الرؤومة المتعالية من حركات الطفل وضحكاته وأنفاسه.ثم ينقلنا الشعر لمفارقات الحياة القاسية حيث تسقط القصور وتتهدم الضحكات وتتهاوى الأراجيح الحالمة أمام طوفان التنكر والعقوق فيا لها من مفارقة فادحة فاجعة،ولكن الشعر الأصيل الحلاق قادر على أن يجسر فجوات أرواحنا بمفارقاته البديعة المنتجة حيث تتفجر أنهار الرحمة من أعماق صلادة العقوق والنكران.فالشعر يهدم ويبنى.
ويبدو أن الشاعرة أحلام الحسن وهي بسبيلها إلى امتلاك رؤية جمالية أصيلة بشأن ظاهرة الحب فى الشعر تنظر إليه نظرة جمالية ومعرفية تمزج فيها النفس الرومانتيكى الحار بالوعي الموضوعي الرصين،وهذه مقدرة فنية موفقة فلا ترى الحب مجرد (شعر العواطف الحارة)،وكفى كما تصور الرومانسيون أو مفهوما روحيا مثاليا مجردا عن صيرورة التاريخ،ولهاث الزمن،كما تصور الكلاسيكيون ولا معرفة موضوعية واقعية كما تصور الواقعيون،بل هي تقرن جميع ذلك في ضفيرة روحية واحدة فتقرن بين المثالية والحركة ـالروح الملتاعة،والعقل الوجداني العاطف.
إن ظاهرة الحب تتجلى فى الديوان ظاهرة جدلية تتنازعها الحركة والصراع،التنازع والتسامي،فكما يتفتح الحب ويتموج ويتعالى صوب السامي، يمتد وينتشر في جذور الحسي المادي البهيج ، فهو حياة وموت،وشعاع نافذ يغشاه غبش الظلمات،لكنه يدفعنا دائما صوب الاندماج والحركة والخلق والانصهار، فالحب مناسبة وجودية نادرة لاستحضار المطلق في النسبي ، وإحياء الخالد في الزائل،والكلى في الجزئي،حتى لتتماوج فيه جميع أطياف الحياة:العتمة في النور،الضباب في الإشراق، فالحب دوامة وجودية حية تحي وتميت،فهو انفتاح على وليمة الوجود الشهية،وانحباس دونها أيضا،إقدام وإحجام،يحاول القلب أن يبحر شطر المطلق وتأبى ظروفنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية غير أن نكون بشرا محدودين بحدود حياتنا المتجذرة في بنية الذات والتاريخ والواقع والثقافة وسطوة التقاليد،الحب عند الشاعرة أحلام الحسن أشبه بالمختبر الروحي الجمالي والمعرفي الذي تقيس به وضعنا الإنساني والأخلاقي والاجتماعي حتى نتحقق من درجة النضج والتكامل بين الفردي والجمعي،النسبي والمطلق،الروحي والمادي،ومن هنا تعددت صور الحب وأشكاله الجمالية عندها من قصيدة إلى قصيدة.من حب ذاتي إلى حب الأمومة إلى حب رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حتى قاربت مشارف الحب الرمزي متعدد الإيحاء والظلال والأوفياء،ولعلنا نرى ذلك في قصيدة (ميم وزجاجة) وهى من أنضج وأعمق قصائد الديوان حيث تصور الشاعرة هذا التعدد الرمزي الحي في تجربة الحب أقوى وأحلى ما يكون،وانظر كيف ترتقي الشاعرة في معارج الرمز والإيحاء ارتقاءا حسنا حتى لتدمج الحسي الدنيوي بالرمزي الروحي الصوفي بما يفتح قلوبنا وأخيلتنا وأرواحنا على آفاق جمالية ومعرفية كثيرة بهيجة تذكرنا الليالي الخمرية النواسية غارقة في الأشواق الصوفية الروحية لابن الفارض والخيمي،تقول الشاعرة:

ميـــــــمٌ وزجاجــــــة

كم سائلٍ عن محنتي من ملهبي
إن كنت لا تدري بجرمِ معذّبي
كأسًا شربتُ ولم تزل من قاتلي
كم قسوةٍ من نائبابِ الأقطبِ
هَضِمًا سلت عينايَ عن قطرٍ بها
هبّت كراتُ الجمْرِ مثل الأشْهبِ
إن قلتُ مرّت نازلا تٌ وانبرت
عادت طقوسُ العادياتِ القُلّبِ
كيدٌ بها من فاسقٍ في ظلمِهِ
يغزو بهِ رطِبَ الخدودِ السّكّبِ
أنيابُهُ مسعورةٌ مسمومةٌ
يعدو ويغدو غدرُهُ في مشربي
أدمى العيونَ بحرقةٍ من سُمّهِ
لم يرتدع عن مطمعٍ كالغيهبِ
سُقيا السّمومِ بموضعٍ كاساتُهُ
خابَ الدّوا ءُ وعن لعابِ الرّقّبِ
جر م القريبِ استوقدت جمراتُهُ
ربّي على جرمٍ لهُ دع مقلبي
تصطادني في غفلةٍ أنيابُهُ
كبدي لظت كم لذغةٍ كالعقربِ
مِثل الأفاعي أبدلت ألوانَها
أدمى الشّبابَ الغضَّ كيدُ النُّصَّبِ
أرجو لهُ عدلًا قِصاصًا موجعًا
في يوم نشرٍ في صحافِ المَقلَبِ

ما هي الميم وما هي الزجاجة؟ تجريد مضيء في تجسيد خبئ،هل الميم هنا ميم المودة؟ أم ميم الموت في المحبوب؟ أم الميم هنا تنتمي لأمة الحروف الحية لا حروف الأبجدية اليومية المبتذلة،الزجاجة هنا تلتف بالميم التفاف المشكاة بسر النور،فهي مشكاة جمالية شفافة الرؤيا تطل من وراء زجاج الكلمات والدلالات،يبدأ الشعر من حسيات وأشياء العالم ولكنه لا يعود إليها،الشعر الروحي الصوفي يبدأ من التراب ولكنه يسمو به إلى ضى وعطر،زجاجة الشعر لا شرقية ولا غربية،الشعر هنا زيتونة لانواسية ولافارضية لا شرقية ولا غربية تضيء من روح رمز الجمال المطلق ولو لم تمسسها نار الدنيا،تكاد صور القصيدة تخطف الأرواح والأبصار والبصائر دفعة واحدة،كم كأسا شرب المحبوب من قاتلات الأقطب فالمحبوب ميت حي،ريان ظمآن،إن مرت زجاجة الشعر تضوى في الأرواح عادت طقوس العاديات القلب،قصيدة موغلة في رمزيتها التعددية وإيحاءاتها الظليلة وأفيائها الغائرة الشفيفة،هنا لون من ألوان السمو الشعري يرتقى فوق قيود الضرورة، ويعلو فوق سدود الأحزان والجراح ومحدودية الحد البشري ، فالحب قادر على أن يرقى بنا على الرغم منا صوب أفق إنسانيتنا المتعالية،إنه لون من ألوان الأسطورة الرمزية وربما كان احتياجنا للعقل الجمالي العاطفي الأسطوري الذي يفتح لنا أفق وجودنا أكثر من احتياجنا للعقل الموضوعي الرصين الذي يحجزنا في وقاره الزائف،إن العقل الاجتماعي والأخلاقي الرسمي معني بالقواعد والتقاليد والحدود المرعية فهو تأطير لحركة حياتنا في حدود الواقع المادي الآلي ، أما عقل الحب فهو عقل تخييلي عاطفي قادر على المواجهة والخلق وتوسيع حدود أروحنا والحياة من حولنا،والعلو فوق ضيق الخلق الاجتماعي العام ، إنه العقل الوجداني العطوف القادر على الجسارة والاختراق والغضب الجميل بالمعنى الوجودي الخلاق ، ومن أجل ذلك رأينا في هذه القصيدة هذا القران المتوتر المستمر بين الحب والشعر والحلم،ولعل هذه النوافذ الفكرية والروحية ينسرب بعضها في بعض وتنتهي بنا إلى بيت واحد عبر الديوان كله هو بيت الوجود ،نطل منه جميعا على حياتنا وصورة الحياة من حولنا.
وفى النهاية أدعو القارئ الكريم أن يخلو بهذه الوجبة الشعرية الشهية ليتشبع فيها بالحب والشعر والجمال.

*** أستاذ النقد الأدبي المعاصر
عميد كلية الآداب/جامعة السويس


تم عمل هذا الموقع بواسطة